ابن عطاء الله السكندري

126

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

شرعا كالغصب والربا ونظائره فهذا طرفان ظاهران ويلتحق بهما ما تحقق أمره ، ولكن احتمل طريان مغير ولم يدل على ذلك الاحتمال دليل ولا أمارة فإن صيد البر حلال فمن أخذ ظبية واحتمل أن يكون قد صيدت فأفلتت لم يضر ذلك بالملك في الحال وهو ثابت قطعا والتورع عنه وسواس . وكذلك من يستعير دارا ثم يغيب المعير فينتقل المستعير لاحتمال أن يكون المعير قد مات فانتقل الحق للوارث فهذا هوس وليس هذا من مواقع الشبهات إذ الشبهة إنما تنشأ من الشك والشك إنما ينشأ من تعارض الأسباب ، التي لو انفرد كل واحد منها لأثبت اعتقادا أو ميلا فينشأ من التعارض تردد ، وأما ما لا سبب له فلا يكون شكا بل احتمالا / ص 14 / محضا فليتنبه للفرق بين الشك والاحتمال وليقصر الورع على محال الشك دون مجرد الاحتمالات . وكذلك إذا تحققنا تحريم شيء وأمكن طريان مبيح ولم يستند ذلك لأمر يدل عليه كمن بيده مال مغصوب وأمكن أن يكون المالك قد أباحه وملكه إياه وكانت عنده وديعة فتصرف فيها تصرف المالكين لاحتمال أن يكون المالك قد ملكه فهذا الاحتمال باطل ولا يجوز بناء أمر عليه لا في جانب الانكفاف ولا في جانب الإقدام ، فإذا ثبت ذلك فنقول : مثار الشبهات أربعة أقسام : المثار الأول : الشك في السبب المحلل أو المحرم « 1 » وذلك لا يخلو أن يكون متعادلا أو غلب أحد الاحتمالين فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما سبق أولا فيستصحب ولا يترك بالشك وإن غلب أحد الاحتمالين لصدوره عن دلالة معتبرة في العين كان الحكم للغالب . مثاله : أن يرمى صيدا فيجرحه فيقع في ماء فيصادف ميتا ولا يدرى أنه مات من الرمية أو من الغرق هذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذا مات بطريق معتبر وقد وقع الشك في الطريق المعتبر فلا يزال الأصل بالشك كما في الإحداث والنجاسات . وكذلك إذا أرسل كلبه وشركه فيه غيره فإنه لا يأكله إذا احتمل أن يكون الكلب الآخر هو الذي قتله وفيه حكم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سؤال عدى بن حاتم إذ قال : ( فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك ) « 2 » / ص 15 / . القسم الثاني : أن يعرف الحل ويشك في التحريم والأصل الحل كما إذا نكح رجلان امرأتين فطار طائر وقال أحدهما امرأته طالق . . إنه غراب وقال الآخر ضده والتبس أمر الطائر فلا يقضى بالتحريم في واحدة منهما ولم يلزمهما اجتناب وفيه خلاف والصحيح

--> ( 1 ) انظر : إحياء علوم الدين للحجة الغزالي ( 5 / 39 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 76 ) ، ( 2 / 725 ) ، ( 5 / 2086 ) ، ومسلم ( 3 / 1529 ، 1531 ) ، وأبو داود ( 3 / 110 ) ، وأحمد ( 4 / 256 ) ، والنسائي ( 7 / 180 ، 182 ، 183 ) .